السيد محمد تقي المدرسي

521

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

بَعِيداً فُحشُهُ ، لَيِّناً قَوْلُهُ ، غَائِباً مُنْكَرُهُ ، حَاضِراً مَعْرُوفُهُ ، مُقْبِلًا خَيْرُهُ ، مُدْبِراً شَرُّهُ . فِي الزَّلَازِلِ وَقُورٌ ، وَفِي الْمَكَارِهِ صَبُورٌ ، وَفِي الرَّخَاءِ شَكُورٌ . لَا يَحِيفُ عَلَى مَنْ يُبْغِضُ ، وَلَا يَأْثَمُ فِيمَنْ يُحِبُّ . يَعْتَرِفُ بِالْحَقِّ قَبْلَ أَنْ يُشْهَدَ عَلَيْهِ . لَا يُضَيِّعُ مَا اسْتُحْفِظَ ، وَلَا يَنْسَى مَا ذُكِّرَ ، وَلَا يُنَابِزُ بِالْالْقَابِ ، وَلَا يُضَارُّ بالْجارِ ، وَلَا يَشْمَتُ بالْمَصَائِبِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِي الْبَاطِلِ ، ولَا يَخْرُجُ مِنَ الْحَقِّ . إِنْ صَمَتَ لَمْ يَغُمَّهُ صَمْتُهُ ، وَإِنْ ضَحِكَ لَمْ يَعْلُ صَوْتُهُ ، وَإِنْ بُغِيَ عَلَيْهِ صَبَرَ حَتّى يَكُونَ اللهُ هُوَ الَّذِي يَنْتَقِمُ لَهُ . نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاء ، وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَة . أَتْعَبَ نفسه لآِخِرَتِهِ ، وَأَرَاحَ النَّاسَ مِنْ نَفْسِهِ . بُعْدُهُ عَمَّنْ تَبَاعَدَ عَنْهُ زُهْدٌ وَنَزاهَةٌ ، وَدُنُوُّهُ مِمَّنْ دَنَا مِنَهُ لِينٌ وَرَحْمَةٌ . لَيْسَ تَبَاعُدُهُ بِكِبْر وَعَظَمَة ، وَلَا دُنُوُّهُ بِمَكْر وَخَدِيعَة . قال : فصعق همّام رحمه الله صعقةً كانت نفسُه فيها . فقال أمير المؤمنين عليه السلام : أَمَا وَاللهِ لَقَدْ كُنْتُ أَخَافُهَا عَلَيْهِ . ثُمَّ قَالَ : هكَذَا تَصْنَعُ الْمَوَاعِظُ البَالِغَةُ بِأَهْلِهَا . فقال له قائل : فما بالك يا أمير المؤمنين ؟ فقال عليه السلام : وَيْحَكَ ؛ إِنَّ لِكُلِّ أَجَل وَقْتاً لَا يَعْدُوهُ ، وَسَبَباً لَا يَتَجَاوَزُهُ . فَمَهْلًا ، لَا تعُدْ لِمِثْلِهَا ، فَإِنَّمَا نَفَثَ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِكَ ! « 1 »

--> ( 1 ) نهج البلاغة ، خطبة رقم 193 .